الامام المهدي عليه السلام و اصحابه و دولته

    القيام المقدس
    مبدأ قيام الامام المهدي ( عليه السلام ) ونهضته المباركة يكون من بيت الله العتيق ، بعد أن يحضر في المسجد الحرام في يوم عاشوراء
(1) ، ويصلّي ركعات عند مقام ابراهيم ( عليه السلام ).
    فانّه بعد ظهوره يجمع الله تعالى له أصحابه ، ويُسند ظهره إلى الكعبة المعظّمة ، مستجيراً بربّ العظمة ، فيُلقى خطبته العصماء ، ثم تتمّ له البيعة الكريمة ، بيعة جنود الرحمن لصاحب الزمان ، ثم يكون القيام بالسيف ، بالقوّة الالهيّة القاهرة لاستئصال شأفة المعاندين والمنافقين والمستكبرين الضالّين.
    فلنشرح هذه المراحل التمهيديّة الهامة في سبيل تحقّق الدولة المؤمّلة ، والحكومة العالميّة المفضّلة.

  تَجمُّع الأصحاب
    أصحاب الامام المهدي ( عليه السلام ) ثُلّة طيّبة ، وصفوة مهذبّة ، من خيرة الخلق ذوى الكفاءة التامّة ، واللياقة الكاملة ، لصحبة الامام ، وتدبير المهام ، وإدارة الكرة

الأرضيّة ، والدولة العالميّة.
    وقد وردت أحاديث متظافرة من الفريقين في بيان مدحهم وعظيم مقامهم.
    وتفيد أنهم تُطوى لهم الأرض ، ويُذلّل لهم كلُّ صعب ، وأنّهم جيش الغضب لله تعالى.
    وأنهم خيار الأمّة مع أبرار العترة ، والفقهاء القضاة ، وأنهم أفضل من أصحاب الأنبياء.
    وأنهم أولوا البأس الشديد الذين وعد الله تعالى أن يسلّطهم على اليهود في قوله تعالى :
    ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْس شَدِيد ) .
    وأنهم الأمة المعدودة الموعودة في قوله تعالى :
    ( وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّة مَعْدُودَة لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ) .  
    وفي الحديث :
    « ينهض ( عليه السلام ) في خمسة آلاف من الملائكة ، جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، والمؤمنون بين يديه ، وهو يفرّق الجنود في البلاد » .
    وقد سمّاهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) باخوانه مصابيح الدجى .
    وفي حديث الامام الصادق ( عليه السلام ) :
ويكون قيامه مع عمامة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ودرعه ، وسيف ذي الفقار ، مع اصحابه الذين هم رجال كأن قلوبهم زبر الحديد ، لا يشوبها شك في ذات الله أشدُّ من الحجر ، لو حملوا على الجبال لأزالوها ، لا يقصدون براياتهم بلدة إلاّ خرَّبوها ، كأنَّ على خيولهم العقبان ، يتمسّحون بسرج الامام ( عليه السلام ) يطلبون بذلك البركة ، ويحفّون به يقونه بأنفسهم في الحروب ، ويكفونه ما يريد فيهم.
    رجال لا ينامون الليل ، لهم دويُّ في صلاتهم كدويِّ النحل ، يبيتون قياماً على أطرافهم ، ويصبحون على خيولهم ، رهبان بالليل ، ليوث بالنهار ، هم أطوع له من الأمة لسيّدها ، كالمصابيح كأنَّ قلوبهم القناديل ، وهم من خشية الله مشفقون ، يدعون بالشهادة ، ويتمنّون أن يقتلوا في سبيل الله ، شعارهم : « يا لثارات الحسين » .
    وفي حديث أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) في جيش الغضب :
    « اُولئك قوم يأتون في آخر الزمان ، فزع كقزع الخريف ، والرجل والرجلان والثلاثة من كلِّ قبيلة حتى يبلغ تسعة. أما والله إنّي لأعرف أميرهم واسمه ، ومناخ ركابهم » .
    وفي حديث الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « إِذَا أُذِنَ الاِْمَامُ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعِبْرَانِيِّ ، فَأُتِيحَتْ لَهُ صَحَابَتُهُ الثَّلاَثُمِائَةِ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ ، قَزَعٌ كَقَزَعِ الْخَرِيفِ ، فَهُمْ أَصْحَابُ الاُْلْوِيَةِ. مِنْهُمْ مَنْ يُفْقَدُ عَنْ فِرَاشِهِ لَيْلاً فَيُصْبِحُ بِمَكَّةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَى يَسِيرُ فِي السَّحَابِ نَهَاراً يُعْرَفُ

بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَحِلْيَتِهِ وَنَسَبِهِ.
    قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ ، أَيُّهُمْ أَعْظَمُ إِيمَاناً ؟
    قَالَ : الَّذِي يَسِيرُ فِي السَّحَابِ نَهَاراً ، وَهُمُ الْمَفْقُودُونَ ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : ( أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً )
(1). (2)
    وقد جاء مدحهم وذكر عددهم وأسمائهم في خطبة البيان الشريفة التي ورد فيها :
    « ألا وإنّ المهدي أحسن الناس خُلقاً وخلقةً ، ثم إذا قام يجتمع إليه أصحابه على عدّة أهل بدر وأصحاب طالوت ، وهم ثلاثماءة وثلاثة عشر رجلاً.
    كلّهم ليوث قد خرجوا من غاباتهم ، مثل زُبُر الحديد ، لو أنّهم همّوا بازالة الجبال الرواسي لأزالوها عن مواضعها.
    فهم الذين وحّدوا الله تعالى حقّ توحيده ، لهم بالليل أصوات كأصوات الثواكل حزناً من خشية الله تعالى.
    قُوّام الليل ، صُوّام النهار ، كأنما ربّاهم أبٌ واحد وأمّ واحدة ، قلوبهم مجتمعة بالمحبّة والنصيحة.
    ألا وانّي لأعرف أسمائهم وأمصارهم.
    فقام إليه جماعة من الأصحاب ، وقالوا : نسألك بالله وبابن عمّك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن تسمّيهم بأسمائهم وأمصارهم ، فلقد ذابت قلوبنا من كلامك ؟
    فقال ( عليه السلام ) : اسمعوا أُبيّن لكم أسماء أنصار القائم ، إنّ أولهم من أهل البصرة ، وآخرهم من الأبدال … ».
    ثمّ عدّهم ، وذكر بلادهم ثمّ قال ( عليه السلام

(37)

« هؤلاء يجتمعون كلّهم من مطلع الشمس ومغربها ، وسهلها وجبلها.
    يجمعهم الله تعالى في أقلّ من نصف ليلة ، فيأتون إلى مكّة ».
    ولقد أجاد في ترتيب ذكر هؤلاء الأصحاب الطيّبين مع ذكر بلادهم وقبائلهم وتوضيح ذلك في كتاب الامام المهدي من المهد إلى الظهور في الجدول التالي :
    بيّن فيه عدد الأفراد من كلّ بلد أو قبيلة.
    مع أسماء البلاد أو القبائل.
    مع أسماء اولئك الأصحاب. 
 المجموع : 313 رجلاً
(5).
    هذا .. وهناك سوى هؤلاء الأصحاب الطيبين أنصار صالحون للامام المهدي ، يلتحقون به في مكّة وغيرها ، ويكونون من المجاهدين بين يديه ، وهم عدّة كثيرة

(48)

ممن يتبعون الامام ( عليه السلام ) ويكونون من أعوانه والذابّين عنه.
    وقد ورد في الأدعية الشريفة والزيارات المأثورة أن يجعلنا الله من أنصاره وأعوانه.
    من ذلك دعاء العهد الشريف الذي ورد عن الامام الصادق ( عليه السلام ) أنه :
    « من دعا إلى الله تعالى أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا.
    فان مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره ، وأعطاه بكلّ كلمة ألف حسنة ، ومحى عنه ألف سيّئة »
(1).
    وقد ورد أن جيشه ( عليه السلام ) الذي يخرج به من مكة عشرة آلاف ، والذي يدخل فيه العراق قد يبلغ مئات الألوف ..
(2)


    فعدّة الأنصار عدّة كثيرة جداً ، هي من القوّة المعينة.
    والأصحاب 313 خاصّة ، هم أصحاب الألوية ، وصفوة الصفوة.

    الخطبة العصماء
    وممّا يمتاز به حجّة الله ، أن يكون قيامه من بيت الله ، ويبدأ في نطقه بكلام الله فيُلقى خطبته الموجهة إلى أهل مكّة ، والى المسلمين ، والى الخلق جميعاً.
    وفي البداية يورد ( عليه السلام ) خطبته البليغة التي يستنصر الله تعالى فيها ، ويبيّن للناس مقامه الأسمى بها.
    وأول ما ينطق به قوله تعالى :

(49)

    ( بَقِيَّتُ اللهَ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) (1). (2)
    وفي حديث جابر الجعفي عن الامام الباقر ( عليه السلام ) في بيان الخطبة :
    يَا أَيُّهَا النَّاسُ ! إِنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ ، فَمَنْ أَجَابَنَا مِنَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّد ، وَ نَحْنُ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ وَ بِمُحَمَّد ( صلى الله عليه وآله ).
    فَمَنْ حَاجَّنِي فِي آدَمَ فَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِآدَمَ ، وَ مَنْ حَاجَّنِي فِي نُوح فَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِنُوح ، وَ مَنْ حَاجَّنِي فِي إِبْرَاهِيمَ فَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ ، وَ مَنْ حَاجَّنِي فِي مُحَمَّد ( صلى الله عليه وآله ) فَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِمُحَمَّد ( صلى الله عليه وآله ) وَ مَنْ حَاجَّنِي فِي النَّبِيِّينَ فَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالنَّبِيِّينَ.
    أَ لَيْسَ اللهُ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ ( إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْض وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
(3).
    فأنا بقيّة من آدم ، وخيرة من نوح ، ومصطفى من إبراهيم ، وصفوة من محمّد صلّى الله عليهم أجمعين.
    ألا و من حاجني في سنة رسول الله فأنا أولى الناس بسنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).
    فأنشد الله من سمع كلامي اليوم لما بلّغ الشاهد منكم الغائب و أسألكم بحق الله و حق رسوله ( صلى الله عليه وآله ) و بحقي فإن لي عليكم حق القربى من رسول الله إلا أعنتمونا
(4) و منعتمونا ممن يظلمنا ؛ فقد اُخفنا و ظُلمنا ، و طردنا من ديارنا وأبنائنا ، وبُغي علينا ودُفعنا عن حقنا وافترى أهل الباطل علينا

(50)

    فالله الله فينا لا تخذلونا و انصرونا ينصركم الله تعالى » (1).
    في حديث المفضل في البحار
(2) :
    « وسيّدنا القائم ( عليه السلام ) مسندٌ ظهره إلى الكعبة ويقول :
    يَا مَعْشَرَ الْخَلاَئِقِ ! أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ وَ شَيْث فَهَا أَنَا ذَا آدَمُ وَ شَيْثٌ.
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى نُوح وَ وَلَدِهِ سَام فَهَا أَنَا ذَا نُوحٌ وَ سَامٌ.
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ فَهَا أَنَا ذَا إِبْرَاهِيمُ وَ إِسْمَاعِيلُ.
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُوسَى وَ يُوشَعَ فَهَا أَنَا ذَا مُوسَى وَ يُوشَعُ.
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عِيسَى وَ شَمْعُونَ فَهَا أَنَا ذَا عِيسَى وَ شَمْعُونُ.
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُحَمَّد وَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِما فَهَا أَنَا ذَا مُحَمَّدٌ ( صلى الله عليه وآله ) وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ).
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ( عليهما السلام ) فَهَا أَنَا ذَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ.
    أَلاَ وَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الاَْئِمَّةِ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ ( عليهم السلام ) فَهَا أَنَا ذَا الاَْئِمَّةُ ( عليهم السلام ).
    أَجِيبُوا إِلَى مَسْأَلَتِي فَإِنِّي أُنَبِّئُكُمْ بِمَا نُبِّئْتُمْ بِهِ وَ مَا لَمْ تُنَبَّئُوا بِهِ ، وَ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ وَ الصُّحُفَ فَلْيَسْمَعْ مِنِّي.
    ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالصُّحُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى آدَمَ وَ شَيْث ( عليهما السلام ) وَ يَقُولُ أُمَّةُ آدَمَ وَ شَيْث هِبَةِ اللهِ : هَذِهِ وَ اللهِ هِيَ الصُّحُفُ حَقّاً وَ لَقَدْ أَرَانَا مَا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُهُ

فِيهَا وَ مَا كَانَ خَفِيَ عَلَيْنَا وَ مَا كَانَ أُسْقِطَ مِنْهَا وَ بُدِّلَ وَ حُرِّفَ.
    ثُمَّ يَقْرَأُ صُحُفَ نُوح وَ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ وَ التَّوْرَاةَ وَ الاِْنْجِيلَ وَ الزَّبُورَ فَيَقُولُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَ الاِْنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ : هَذِهِ وَ اللهِ صُحُفُ نُوح وَ إِبْرَاهِيمَ ( عليهما السلام ) حَقّاً وَ مَا أُسْقِطَ مِنْهَا وَ بُدِّلَ وَ حُرِّفَ مِنْهَا هَذِهِ وَ اللهِ التَّوْرَاةُ الْجَامِعَةُ ، وَ الزَّبُورُ التَّامُّ ، وَ الاِْنْجِيلُ الْكَامِلُ ، وَ إِنَّهَا أَضْعَافُ مَا قَرَأْنَا مِنْهَا.
    ثُمَّ يَتْلُو الْقُرْآنَ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ : هَذَا وَ اللهِ الْقُرْآنُ حَقّاً الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى مُحَمَّد ( صلى الله عليه وآله ) … »
(1).
    وفي الحديث الشريف :
    يدعو الناس إلى كتاب الله ، وسنّة نبيه ، والولاية لعلي بن أبي طالب والبراءة من عدوه »
(2).
    وهكذا يلقى خطبته ، ويتمّ حجّته ، فيبايعونه بين الركن والمقام ومعه عهد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قد توارثته الأبناء عن الآباء
(3)

.

    البيعةُ الكريمة
    بعد خطبته ( عليه السلام ) تتم البيعة معه ، بيعة أهل السماء والأرض ؛ بيعةٌ يبدؤها أمين وحي الله جبرئيل ( عليه السلام ) ، ثم المؤمنون الكرام.
    ففي حديث الامام الصادق ( عليه السلام ) :

« إنّ أول من يبايع القائم ( عليه السلام ) جبرئيل ( عليه السلام ) … » (1).
    وفي الحديث الآخر :
    « فيبعث الله جلَّ جلاله جبرئيل ( عليه السلام ) يأتيه فينزل على الحطيم ، ثمَّ يقول له : إلى أيِّ شيء تدعو ؟
    فيخبره القائم ( عليه السلام ) ، فيقول جبرئيل ( عليه السلام ) : أنا أوَّل من يبايعك ، ابسط يدك.
    فيمسح على يده ، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيبايعونه ، ويقيم بمكّة حتّى يتم أصحابه عشرة آلاف أنفس ، ثم يسير منها الى المدينة »
(2).
    وفي الحديث الآخر :
    « يا مفضّل ، كلُّ بيعة قبل ظهور القائم ( عليه السلام ) فبيعته كفر ونفاق وخديعة لعن الله المبايِع لها والمبايَع له.
    يا مفضّل يسند القائم ( عليه السلام ) ظهره إلى الحرم ويمدُّ يده ، فتُرى بيضاء من غير سوء ويقول : هذه يد الله ، وعن امر الله ، وبأمر الله.
    ثمَّ يتلو هذه الآية : ( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهَ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ )
(3) الآية.
    فيكون أوَّل من يقبّل يده جبرئيل ( عليه السلام ) ، ثمَّ يبايعه ، وتبايعه الملائكة ونجباء الجنِّ ، ثمَّ النقباء »
(4).
    فتتم البيعة والمعاهدة معه على الطاعة ، ويكون السلام عليه بنحو : « السلام عليك يا بقية الله » ، كما في الحديث
(1).
    وتكون بيعة أنصاره معه على الأمور التالية :
    على أن لا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يسبّوا مسلماً ، ولا يقتلوا محرّماً ولا يهتكوا حريماً محرماً ، ولا يهجموا منزلاً ، ولا يضروا أحداً إلاّ بالحق ، ولا يكنزوا ذهباً ولا فضّة ولا بُرّاً ولا شعيراً ، ولا يأكلوا مال اليتيم ، ولا يشهدوا بما لا يعلمون ، ولا يخربوا مسجداً ، ولا يشربوا مسكراً ، ولا يلبسوا الخزّ ولا الحرير ، ولا يتمنطقوا بالذهب ، ولا يقطعوا طريقاً ، ولا يخيفوا سبيلاً ، ولا يفسقوا بغلام ، ولا يحبسوا طعاماً من بُرّ أو شعير ، ويرضون بالقليل ، ولا يشتمون ، ويكرهون النجاسة ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويلبسون الخشن من الثياب ، وبتوسّدون التراب على الخدود ، ويجاهدون في الله حق جهاده ، ويشترط على نفسه لهم أن يمشي حيث يمشون ، ويلبس كما يلبسون ، ويركب كما يركبون ، ويكون من حيث يريدون ، ويرضى بالقليل ، ويملأ الأرض بعون الله عدلاً كما ملئت جوراً ، يعبد الله حق عبادته ، ولا يتخذ حاجباً ولا بوّاباً »
(2).
    وبالرغم ممّا يتمتع به أصحابه الكرام من الدرجات العالية ، والعدالة الروحيّة ، تكون هذه الشروط توثيقاً للحكم ، وتأكيداً في الأمر ، وتعليماً للحياة المثاليّة التي تخصّهم لقيادة الكرة الأرضيّة وهي بيعة ميمونة يشمل خيرها جميع الموجودات في مسيرة الحياة.

  وهو ( عليه السلام ) ممتلك لما فوق السلاح البشري ، وما هو أعظم من المصنوع الانساني.
    وهو ( عليه السلام ) مزوّدٌ بالقوة الالهية القاهرة ، والمدد السماوي المظفّر ، والميراث النبوي الباهر ، وبها يخضع له الكل ، ويهيمن على الجميع ، ويغلب على العالم.
    1 ـ فله الاسم الأعظم الالهي الذي هو معدن القُدرات ، اثنان وسبعون منه
(1).
    2 ـ وله الاسم الالهي الخاص الذي كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اذا جعله بين المسلمين والمشركين ، لم تصل من المشركين الى المسلمين نشابةٌ قط
(2).
    3 ـ وله عصى موسى ( عليه السلام ) التي تأتي بالعجب العُجاب
(3).
    4 ـ وله خاتم سليمان الذي كان اذا لبسه سخر الله تعالى له الملائكة ، والانس والجن ، والطير ، والريح
(4).
    5 ـ وله تابوت بني اسرائيل التي فيها السكينة والعلم والحكمة ، ويدور معها العلم والنبوة والمُلك

(55)

    6 ـ وله امتلاك الرعب في قلوب الاعداء ، يسير معه أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله.
    ولا يخفى شدّة تأثير هذا الرعب في دهشة العدو ، وعدم تسلطه على استعمال السلاح أساساً
(1).
    7 ـ وله نصرة الله تعالى التي لا يفوقها شيء : ( إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ )
(2) فان الله تعالى ينصره حتى بزلازل الارض ، وصواعق السماء.
    8 ـ وله الولاية الالهية العظمي التي جعلها الله تعالى لهم تكويناً وتشريعاً ، كما ثبت بالأدلة المتواترة
(3).
    9 ـ وله الاحتجاجات والحجج الكاملة ، التي يحتج بها بأوصافه وعلائمه الموجودة في التوراة والألواح ، التي تقدمت الاشارة اليها. ثم اقتداء النبي عيسى ( عليه السلام ) به في الصلاة التي توجب خضوع كثير من اليهود والنصارى له
(4).
    10 ـ وأخيراً وليس بآخر إرادة الله تعالى القادر القهّار الذي اذا أراد شيئاً لم يتخلف ما أراده طرفة عين ، ولم يحُل بينهما شيءٌ في البين.
    وقد أراد ذلك بصريح قوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ )
(5).
    وبهذا تعرف أن الامام المهدي ( عليه السلام ) يقوم بالقوّة الإلهية التي لا تقاومها القوة البشريّه مهما بلغت وتطوّرت.

 وقال الامام الباقر ( عليه السلام ) :
    لو خرج قائم آل محمد ( عليه السلام ) لنصره الله بالملائكة المسوّمين ، والمردفين ، والمنزلين ، والكروبيين.
    يكون جبرائيل أمامه ، وميكائيل عن يمينه ، وإسرافيل عن يساره ، والرعب يسير مسيرة شهر أمامه ، وخلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، والملائكة المقربون حذاه »

 المسيرة الاصلاحيّة


    ينبغي أن نشير هنا إلى خريطة مسيره المبارك في قيامه الأغرّ الذي يمكن تخطيطه بالأحاديث الشريفة من البدء إلى استقرار دولته الكريمة ، في المراحل الثلاثة التالية :
    1 ـ اصلاحاته في مكّة المكرّمة.
    2 ـ التوجّه إلى المدينة المنوّرة.
    3 ـ الكوفة عاصمته المباركة. 

  المرحلة الأولى : مكّة المكرّمة
    المستفاد من بعض الأحاديث ، أن مكّة تستسلم له ( عليه السلام ) ويسيطر الامام على البلدة بكاملها.
    ويستفاد هذا من قوله ( عليه السلام ) في النص الذي عبّر بالاطاعة بعد سؤال الراوي : فما يصنع بأهل مكّة ؟

   قال :
    « يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة فيطيعونه ، ويستخلف فيهم رجلاً من أهل بيته »
(1).
    ويدل الحديث الصادقي على أنه ( عليه السلام ) يردّ المسجد الحرام إلى أساسه الذي حدّه النبي ابراهيم ( عليه السلام ) ، وهو الحزْوَرَة
(2).
    ويردّ المقام إلى الموضع الذي كان فيه بجوار الكعبة
(3).
    كما ينادي مناديه أن يسلّم صاحب النافلة لصاحب الفريضة الحجر الأسود والطواف كما في الحديث الشريف
(4).
    فيفسح صاحب الطواف المستحب المجال لصاحب الطواف الواجب ، ويتقدّم ذلك لطوافه واستلام الحجر في سبيل راحة الطواف ، وعدم الازدحام ، وسهولة إنجاز مناسك الحج.
    ثم بعد انجازاته الموفّقة في مكة المكرّمة ونصب وال من قبله هناك يتوجّه إلى مدينة جدّه الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله )
(5)

.

    المرحلة الثانية : المدينة المنوّرة
    للامام المهدي ( عليه السلام ) شأن عظيم في المدينة المنورة ، نشير إليه بحديث المفضّل

الجعفي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) الذي يبيّن سرور المؤمنين ، وخزي الكافرين ، وأخذ الثأر من الظالمين ، في مُقامه ( عليه السلام ) هناك.
    جاء فيه :
    قَالَ الْمُفَضَّلُ يَا سَيِّدِي ثُمَّ يَسِيرُ الْمَهْدِيُّ إِلَى أَيْنَ ؟
    قَالَ ( عليه السلام ) :
    « إِلَى مَدِينَةِ جَدِّي رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) فَإِذَا وَرَدَهَا كَانَ لَهُ فِيهَا مَقَامٌ عَجِيبٌ يَظْهَرُ فِيهِ سُرُورُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَ خِزْيُ الْكَافِرِينَ.
    قَالَ الْمُفَضَّلُ يَا سَيِّدِي مَا هُوَ ذَاكَ ؟
    قَالَ يَرِدُ إِلَى قَبْرِ جَدِّهِ ( صلى الله عليه وآله ) فَيَقُولُ :
    يَامَعَاشِرَ الْخَلاَئِقِ ! هَذَا قَبْرُ جَدِّي رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) ؟
    فَيَقُولُونَ : نَعَمْ ، يَا مَهْدِيَّ آلِ مُحَمَّد.
    فَيَقُولُ : وَ مَنْ مَعَهُ فِي الْقَبْرِ ؟
    فَيَقُولُونَ : صَاحِبَاهُ وَ ضَجِيعَاهُ أَبُو بَكْر وَ عُمَرُ.
    فَيَقُولُ ـ وَ هُوَ ( عليه السلام ) أَعْلَمُ بِهِمَا وَ الْخَلاَئِقُ كُلُّهُمْ جَمِيعاً يَسْمَعُونَ ـ : مَنْ أَبُو بَكْر وَ عُمَرُ ، وَ كَيْفَ دُفِنَا مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ مَعَ جَدِّي رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) وَ عَسَى الْمَدْفُونُ غَيْرَهُمَا.
    فَيَقُولُ النَّاسُ : يَا مَهْدِيَّ آلِ مُحَمَّد ( صلى الله عليه وآله ) مَا هَاهُنَا غَيْرُهُمَا إِنَّهُمَا دُفِنَا مَعَهُ لاَِنَّهُمَا خَلِيفَتَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَبَوَا زَوْجَتَيْهِ.
    فَيَقُولُ لِلْخَلْقِ بَعْدَ ثَلاَث : أَخْرِجُوهُمَا مِنْ قَبْرَيْهِمَا.
    فَيُخْرَجَانِ غَضَّيْنِ طَرِيَّيْنِ لَمْ يَتَغَيَّرْ خَلْقُهُمَا وَ لَمْ يَشْحُبْ لَوْنُهُمَا.
    فَيَقُولُ : هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَعْرِفُهُمَا ؟
    فَيَقُولُونَ : نَعْرِفُهُمَا بِالصِّفَةِ ، وَ لَيْسَ ضَجِيعَا جَدِّكَ غَيْرَهُمَا

فَيَقُولُ : هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا أَوْ يَشُكُّ فِيهِمَا ؟
    فَيَقُولُونَ : لاَ.
    فَيُؤَخِّرُ إِخْرَاجَهُمَا ثَلاَثَةَ أَيَّام ثُمَّ.
    يَنْتَشِرُ الْخَبَرُ فِي النَّاسِ وَ يَحْضُرُ الْمَهْدِيُّ وَ يَكْشِفُ الْجُدْرَانَ عَنِ الْقَبْرَيْنِ ، وَ يَقُولُ لِلنُّقَبَاءِ : ابْحَثُوا عَنْهُمَا وَ انْبُشُوهُمَا.
    فَيَبْحَثُونَ بِأَيْدِيهِمْ حَتَّى يَصِلُونَ إِلَيْهِمَا فَيُخْرَجَانِ غَضَّيْنِ طَرِيَّيْنِ كَصُورَتِهِمَا فَيَكْشِفُ عَنْهُمَا أَكْفَانَهُمَا وَ يَأْمُرُ بِرَفْعِهِمَا عَلَى دَوْحَة يَابِسَة نَخِرَة فَيَصْلُبُهُمَا عَلَيْهَا فَتَحْيَا الشَّجَرَةُ وَ تُورِقُ وَ يَطُولُ فَرْعُهَا.
    فَيَقُولُ الْمُرْتَابُونَ مِنْ أَهْلِ وَلاَيَتِهِمَا : هَذَا وَ اللهِ الشَّرَفُ حَقّاً ، وَ لَقَدْ فُزْنَا بِمَحَبَّتِهِمَا وَ وَلاَيَتِهِمَا.
    وَ يُخْبِرُ مَنْ أَخْفَى نَفْسَهُ مِمَّنْ فِي نَفْسِهِ مِقْيَاسُ حَبَّة مِنْ مَحَبَّتِهِمَا وَ وَلاَيَتِهِمَا فَيَحْضُرُونَهُمَا وَ يَرَوْنَهُمَا وَ يُفْتَنُونَ بِهِمَا.
    وَ يُنَادِي مُنَادِي الْمَهْدِيِّ ( عليه السلام ) كُلُّ مَنْ أَحَبَّ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) وَ ضَجِيعَيْهِ فَلْيَنْفَرِدْ جَانِباً فَتَتَجَزَّأُ الْخَلْقُ جُزْءَيْنِ أَحَدُهُمَا مُوَال وَ الآْخَرُ مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمَا.
    فَيَعْرِضُ الْمَهْدِيُّ عليه السلام عَلَى أَوْلِيَائِهِمَا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمَا.
    فَيَقُولُونَ يَا مَهْدِيَّ آلِ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) نَحْنُ لَمْ نَتَبَرَّأْ مِنْهُمَا ، وَ لَسْنَا نَعْلَمُ أَنَّ لَهُمَا عِنْدَ اللهِ وَ عِنْدَكَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ وَ هَذَا الَّذِي بَدَا لَنَا مِنْ فَضْلِهِمَا ، أَ نَتَبَرَّأُ السَّاعَةَ مِنْهُمَا وَ قَدْ رَأَيْنَا مِنْهُمَا مَا رَأَيْنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ نَضَارَتِهِمَا وَ غَضَاضَتِهِمَا وَ حَيَاةِ الشَّجَرَةِ بِهِمَا ؟ بَلْ وَ اللهِ نَتَبَرَّأُ مِنْكَ ، وَ مِمَّنْ آمَنَ بِكَ ، وَ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِمَا ، وَ مَنْ صَلَبَهُمَا وَ أَخْرَجَهُمَا وَ فَعَلَ بِهِمَا مَا فَعَلَ  فَيَأْمُرُ الْمَهْدِيُّ ( عليه السلام ) رِيحاً سَوْدَاءَ فَتَهُبُّ عَلَيْهِمْ فَتَجْعَلُهُمْ كَأَعْجَازِ نَخْل خَاوِيَة.
    ثُمَّ يَأْمُرُ بِإِنْزَالِهِمَا فَيُنْزَلاَنِ إِلَيْهِ فَيُحْيِيهِمَا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى وَ يَأْمُرُ الْخَلاَئِقَ بِالاِجْتِمَاعِ.
    ثُمَّ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ قَصَصَ فِعَالِهِمَا فِي كُلِّ كُور وَ دُور.
    وَ إِشْعَالَ النَّارِ عَلَى بَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ ( عليهم السلام ) لاِِحْرَاقِهِمْ بِهَا.
    وَ ضَرْبَ يَدِ الصِّدِّيقَةِ الْكُبْرَى فَاطِمَةَ بِالسَّوْطِ ، وَ رَفْسَ بَطْنِهَا ، وَ إِسْقَاطَهَا مُحَسِّناً.
    وَ سَمَّ الْحَسَنِ ( عليه السلام ) وَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ ( عليه السلام ) وَ ذَبْحَ أَطْفَالِهِ وَ بَنِي عَمِّهِ وَ أَنْصَارِهِ وَ سَبْيَ ذَرَارِيِّ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ).
    وَ إِرَاقَةَ دِمَاءِ آلِ مُحَمَّد ( صلى الله عليه وآله ) وَ كُلِّ دَم سُفِكَ ، وَ كُلَّ فَرْج نُكِحَ حَرَاماً ، وَ كُلَّ رَيْن وَ خُبْث وَ فَاحِشَة وَ إِثْم وَ ظُلْم وَ جَوْر وَ غَشْم.
    كُلُّ ذَلِكَ يُعَدِّدُهُ ( عليه السلام ) عَلَيْهِمَا وَ يُلْزِمُهُمَا إِيَّاهُ فَيَعْتَرِفَانِ بِهِ.
    ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمَا فَيُقْتَصُّ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِمَظَالِمِ مَنْ حَضَرَ.
    ثُمَّ يَصْلُبُهُمَا عَلَى الشَّجَرَةِ وَ يَأْمُرُ نَاراً تَخْرُجُ مِنَ الاَْرْضِ فَتُحْرِقُهُمَا وَ الشَّجَرَةَ ، ثُمَّ يَأْمُرُ رِيحاً فَتَنْسِفُهُمَا فِي الْيَمِّ نَسْفاً.
    ثمّ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ ـ يَا مُفَضَّلُ ـ إِلَيْنَا مَعَاشِرَ الاَْئِمَّةِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) نَشْكُو إِلَيْهِ مَا نَزَلَ بِنَا مِنَ الاُْمَّةِ بَعْدَهُ وَ مَا نَالَنَا مِنَ التَّكْذِيبِ وَ الرَّدِّ عَلَيْنَا وَ سَبْيِنَا وَ لَعْنِنَا وَ تَخْوِيفِنَا بِالْقَتْلِ وَ قَصْدِ طَوَاغِيَتِهِمُ الْوُلاَةِ لاُِمُورِهِمْ مِنْ دُونِ الاُْمَّةِ بِتَرْحِيلِنَا عَنِ الْحُرْمَةِ إِلَى دَارِ مُلْكِهِمْ وَ قَتْلِهِمْ إِيَّانَا بِالسَّمِّ وَ الْحَبْسِ  فَيَبْكِي رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) وَ يَقُولُ : يَا بَنِيَّ مَا نَزَلَ بِكُمْ إِلاَّ مَا نَزَلَ بِجِدِّكُمْ قَبْلَكُمْ.
    ثُمَّ تَبْتَدِئُ فَاطِمَةُ ( عليها السلام ) وَ تَشْكُو مَا نَالَهَا مِنْ أَبِي بَكْر وَ عُمَرَ ، وَ أَخْذِ فَدَكَ مِنْهَا ، وَ مَشْيِهَا إِلَيْهِ فِي مَجْمَع مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الاَْنْصَارِ ، وَ خِطَابِهَا لَهُ فِي أَمْرِ فَدَكَ وَ مَا رَدَّ عَلَيْهَا مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّ الاَْنْبِيَاءَ لاَ تُورَثُ ، وَ احْتِجَاجِهَا بِقَوْلِ زَكَرِيَّا وَ يَحْيَى ( عليهما السلام ) وَ قِصَّةِ دَاوُدَ وَ سُلَيْمَانَ ( عليهما السلام ) .
    وَ قَوْلِ عُمَرَ هَاتِي صَحِيفَتَكِ الَّتِي ذَكَرْتِ أَنَّ أَبَاكِ كَتَبَهَا لَكِ وَ إِخْرَاجِهَا الصَّحِيفَةَ ، وَ أَخْذِهِ إِيَّاهَا مِنْهَا ، وَ نَشْرِهِ لَهَا عَلَى رُءُوسِ الاَْشْهَادِ مِنْ قُرَيْش وَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الاَْنْصَارِ وَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، وَ تَفْلِهِ فِيهَا ، وَ تَمْزِيقِهِ إِيَّاهَا ، وَ بُكَائِهَا وَ رُجُوعِهَا إِلَى قَبْرِ أَبِيهَا رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) بَاكِيَةً حَزِينَةً تَمْشِي عَلَى الرَّمْضَاءِ قَدْ أَقْلَقَتْهَا ، وَ اسْتِغَاثَتِهَا بِاللهِ وَ بِأَبِيهَا رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) ، وَ تَمَثُّلِهَا بِقَوْلِ رُقَيْقَةَ بِنْتِ صَيْفِيّ :

قَدْ كَانَ بَعْدَكَ أَنْبَاءٌ وَ هَنْبَثَةٌ إِنَّا فَقَدْنَاكَ فَقْدَ الاَْرْضِ وَابِلَهَا أَبْدَتْ رِجَالٌ لَنَا فَحْوَى صُدُورِهِمْ لِكُلِّ قَوْم لَهُمْ قُرْبٌ وَ مَنْزِلَةٌ يَا لَيْتَ قَبْلَكَ كَانَ الْمَوْتُ حَلَّ بِنَا   لَوْ كُنْتَ شَاهِدَهَا لَمْ يَكْبُرِ الْخَطْبُ وَ اخْتَلَّ أَهْلُكَ فَاشْهَدْهُمْ فَقَدْلَعِبُوا لَمَّا نَأَيْتَ وَ حَالَتْ دُونَكَ الْحُجُبُ عِنْدَ الاِْلَهِ عَلَى الاَْدْنَيْنَ مُقْتَرِبٌ أَمَلُوا أُنَاسٌ فَفَازُوا بِالَّذِي طَلَبُوا

    وَ تَقُصُّ عَلَيْهِ قِصَّةَ أَبِي بَكْر وَ إِنْفَاذِهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَ قُنْفُذاً وَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَ جَمْعِهِ النَّاسَ لاِِخْرَاجِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الْبَيْعَةِ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَ اشْتِغَالِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) بِضَمِّ أَزْوَاجِهِ وَ قَبْرِهِ وَ تَعْزِيَتِهِمْ ، وَ جَمْعِ الْقُرْآنِ ، وَ قَضَاءِ دَيْنِهِ ، وَ إِنْجَازِ عِدَاتِهِ وَ هِيَ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَم بَاعَ فِيهَا تَلِيدَهُ وَ طَارِفَهُ وَ قَضَاهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ).

وَ قَوْلِ عُمَرَ : اخْرُجْ يَا عَلِيُّ إِلَى مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَ إِلاَّ قَتَلْنَاكَ.
    وَ قَوْلِ فِضَّةَ جَارِيَةِ فَاطِمَةَ : إِنَّ أَمِيرَالْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) مَشْغُولٌ وَ الْحَقُّ لَهُ ، إِنْ أَنْصَفْتُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَ أَنْصَفْتُمُوهُ.
    وَ جَمْعِهِمُ الْجَزْلَ وَ الْحَطَبَ عَلَى الْبَابِ لاِِحْرَاقِ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ زَيْنَبَ وَ أُمِّ كُلْثُوم وَ فِضَّةَ وَ إِضْرَامِهِمُ النَّارَ عَلَى الْبَابِ.
    وَ خُرُوجِ فَاطِمَةَ إِلَيْهِمْ وَ خِطَابِهَا لَهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ وَ قَوْلِهَا :
    وَيْحَكَ يَا عُمَرُ ! مَا هَذِهِ الْجُرْأَةُ عَلَى اللهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ ؟ تُرِيدُ أَنْ تَقْطَعَ نَسْلَهُ مِنَ الدُّنْيَا ، وَ تُفْنِيَهُ ، وَ تُطْفِئَ نُورَ اللهِ ؟ وَ اللهُ مُتِمُّ نُورِهِ.
    وَ انْتِهَارِهِ لَهَا وَ قَوْلِهِ كُفِّي يَا فَاطِمَةُ فَلَيْسَ مُحَمَّدٌ حَاضِراً وَ لاَ الْمَلاَئِكَةُ آتِيَةً بِالاَْمْرِ وَ النَّهْيِ وَ الزَّجْرِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَ مَا عَلِيٌّ إِلاَّ كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ فَاخْتَارِي إِنْ شِئْتِ خُرُوجَهُ لِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر أَوْ إِحْرَاقَكُمْ جَمِيعاً.
    فَقَالَتْ وَ هِيَ بَاكِيَةٌ : اللَّهُمَّ إِلَيْكَ نَشْكُو فَقْدَ نَبِيِّكَ وَ رَسُولِكَ وَ صَفِيِّكَ ، وَ ارْتِدَادَ أُمَّتِهِ عَلَيْنَا ، وَ مَنْعَهُمْ إِيَّانَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلْتَهُ لَنَا فِي كِتَابِكَ الْمُنْزَلِ عَلَى نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ.
    فَقَالَ لَهَا عُمَرُ : دَعِي عَنْكِ يَا فَاطِمَةُ حُمْقَاتِ النِّسَاءِ ! فَلَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَجْمَعَ لَكُمُ النُّبُوَّةَ وَ الْخِلاَفَةَ.
    وَ أَخَذَتِ النَّارُ فِي خَشَبِ الْبَابِ.
    وَ إِدْخَالِ قُنْفُذ يَدَهُ ـ لَعَنَهُ اللهُ ـ يَرُومُ فَتْحَ الْبَابِ.
    وَ ضَرْبِ عُمَرَ لَهَا بِالسَّوْطِ عَلَى عَضُدِهَا حَتَّى صَارَ كَالدُّمْلُجِ الاَْسْوَدِ ، وَ رَكْلِ الْبَابِ بِرِجْلِهِ حَتَّى أَصَابَ بَطْنَهَا وَ هِيَ حَامِلَةٌ بِالْمُحَسِّنِ لِسِتَّةِ أَشْهُر وَ إِسْقَاطِهَا إِيَّاهُ. 
وَ هُجُومِ عُمَرَ ، وَ قُنْفُذ ، وَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَ صَفْقِهِ خَدَّهَا حَتَّى بَدَا قُرْطَاهَا تَحْتَ خِمَارِهَا ، وَ هِيَ تَجْهَرُ بِالْبُكَاءِ وَ تَقُولُ : وَا أَبَتَاهْ ، وَا رَسُولَ اللهِ ، ابْنَتُكَ فَاطِمَةُ تُكَذَّبُ ، وَ تُضْرَبُ ، وَ يُقْتَلُ جَنِينٌ فِي بَطْنِهَا.
    وَ خُرُوجِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ مُحْمَرَّ الْعَيْنِ حَاسِراً ، حَتَّى أَلْقَى مُلاَءَتَهُ عَلَيْهَا ، وَ ضَمِّهَا إِلَى صَدْرِهِ وَ قَوْلِهِ لَهَا : يَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ قَدْ عَلِمْتِي أَنَّ أَبَاكِ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ، فَاللهَ اللهَ أَنْ تَكْشِفِي خِمَارَكِ وَ تَرْفَعِي نَاصِيَتَكِ.
    فَوَ اللهِ يَا فَاطِمَةُ لَئِنْ فَعَلْتِ ذَلِكِ لاَ أَبْقَى اللهُ عَلَى الاَْرْضِ مَنْ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ، وَ لاَ مُوسَى ، وَ لاَ عِيسَى ، وَ لاَ إِبْرَاهِيمَ ، وَ لاَ نُوحاً ، وَ لاَ آدَمَ [ وَ لاَ ] دَابَّةً تَمْشِي عَلَى الاَْرْضِ ، وَ لاَ طَائِراً فِي السَّمَاءِ ، إِلاَّ أَهْلَكَهُ اللهُ.
    ثُمَّ قَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ! لَكَ الْوَيْلُ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا ، وَ مَا بَعْدَهُ ، وَ مَا يَلِيهِ ، اخْرُجْ قَبْلَ أَنْ أَشْهَرَ سَيْفِي فَأُفْنِيَ غَابِرَ الاُْمَّةِ.
    فَخَرَجَ عُمَرُ ، وَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَ قُنْفُذٌ ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بِكْر ، فَصَارُوا مِنْ خَارِجِ الدَّارِ.
    وَ صَاحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِفِضَّةَ : يَا فِضَّةُ ! مَوْلاَتَكِ فَاقْبَلِي مِنْهَا مَا تَقْبَلُهُ النِّسَاءُ ، فَقَدْ جَاءَهَا الْمَخَاضُ مِنَ الرَّفْسَةِ وَ رَدِّ الْبَابِ ، فَأَسْقَطَتْ مُحَسِّناً.
    فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) : فَإِنَّهُ ـ يعني المُحسن ـ لاَحِقٌ بِجَدِّهِ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) فَيَشْكُو إِلَيْهِ …
    ثُمَّ يَقُومُ الْحُسَيْنُ ( عليه السلام ) مُخَضَّباً بِدَمِهِ هُوَ وَ جَمِيعُ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ.
    فَإِذَا رَآهُ رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) بَكَى ، وَ بَكَى أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ الاَْرْضِ لِبُكَائِهِ ، وَ تَصْرُخُ فَاطِمَةُ ( عليها السلام ) فَتُزَلْزَلُ الاَْرْضُ وَ مَنْ عَلَيْهَا ، وَ يَقِفُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحَسَنُ ( عليهما السلام ) عَنْ يَمِينِهِ وَ فَاطِمَةُ عَنْ شِمَالِهِ. 
وَ يُقْبِلُ الْحُسَيْنُ ( عليه السلام ) فَيَضُمُّهُ رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله ) إِلَى صَدْرِهِ وَ يَقُولُ : يَا حُسَيْنُ ! فَدَيْتُكَ ، قَرَّتْ عَيْنَاكَ وَ عَيْنَايَ فِيكَ.
    وَ عَنْ يَمِينِ الْحُسَيْنِ حَمْزَةُ أَسَدُ اللهِ فِي أَرْضِهِ ، وَ عَنْ شِمَالِهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِب الطَّيَّارُ.
    وَ يَأْتِي مُحَسِّنٌ تَحْمِلُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِد ، وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَد أُمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ( عليه السلام ) وَ هُنَّ صَارِخَاتٌ.
    وَ أُمُّهُ فَاطِمَةُ تَقُولُ : ( هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )
(1) الْيَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) (2).
    قَالَ ـ المفضّل ـ : فَبَكَى الصَّادِقُ ( عليه السلام ) حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ ثُمَّ قَالَ : لاَ قَرَّتْ عَيْنٌ لاَ تَبْكِي عِنْدَ هَذَا الذِّكْرِ.
    وَ بَكَى الْمُفَضَّلُ بُكَاءً طَوِيلاً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مَوْلاَيَ ، مَا فِي الدُّمُوعِ يَا مَوْلاَيَ ؟
    فَقَالَ : مَا لاَ يُحْصَى إِذَا كَانَ مِنْ مُحِق … »

المرحلة الثالثة : الكوفة العاصمة
    بعد مُقام المدينة ، يخرج الامام المهدي ( عليه السلام ) الى حرم أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) الكوفة بعد أن يستعمل عليها رجلاً من أصحابه ، كما في الحديث
(1).
    وفي حديث الامام الباقر ( عليه السلام ) :
    « … ويسير نحو الكوفة ، وينزل على سرير النبي سليمان ( عليه السلام ) ، وبيمينه عصا موسى ، وجليسه الروح الأمين ، وعيسى بن مريم ، متّشحاً ببرد النبي ( صلى الله عليه وآله ) متقلّداً بذي الفقار ، ووجهه كدائرة القمر في ليالي كماله ، يخرج من بين ثناياه نورٌ كالبرق الساطع ، على رأسه تاجٌ من نور »
(2).
    وللكوفة يومئذ شأنٌ عظيم ومجد كريم ، حيث تكون عاصمة حكومته ودار خلافته ومركز شيعته. فيتجلى فيها السموّ والرفعة ، وتصير مهد الحياة الزاهرة في دولة العترة الطاهرة ، ببركة الامام المهدي ارواحنا فداه.
    ففي حديث المفضل : قلت : يا سيدي ، فأين تكون دار المهديّ ومجتمع المؤمنين ؟
    قال :
    « دار ملكه الكوفة ، ومجلس حكمه جامعها ، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة ، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريّين.

قال المفضّل : يا مولاي كلُّ المؤمنين يكونون بالكوفة ؟
    قال : إي والله ، لا يبقى مؤمن إلاّ كان بها أو حواليها ، وليبلغنّ مجالة فرس منها ألفي درهم …
    وليصيّرنّ الكوفة أربعة وخمسين ميلاً
(1) ، ويجاوزن قصورها كربلاء.
    وليصيّرنّ الله كربلاء معقلاً ومقاماً تختلف فيه الملائكة والمؤمنون ، وليكوننّ لها شأن من الشأن ، وليكونن فيها من البركات ما لو وقف مؤمن ودعا ربّه بدعوة لأعطاه الله بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا الف مرّة »
(2).
    وفي الحديث العلوي الشريف :
    « ثم يقبل الى الكوفة ، فيكون منزله بها. فلا يترك عبداً مسلماً الا اشتراه واعتقه ، ولا غارماً الا قضى دينه ، ولا مظلمة لاحد من الناس الا ردّها ، ولا يُقتل منهم عبد الا أدّى ثمنه دية مسلَّمة الى أهلها ، ولا يُقتل قتيل الا قضى عنه دينه ، وألحق عياله في العطاء ، حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وعدواناً.
    ويسكن هو وأهل بيته الرحبة ، والرحبة انما كانت مسكن نوح وهي أرض طيبة ولا يسكن رجل من آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ولا يقتل الا بأرض طيّبة زاكية ، فهم الأوصياء الطيّبون »
(3).
    وأنه ليكثر فيها الخيرات والبركات حتى تمطر السماء فيها ذهباً ، كما تلاحظه في


1 ـ الميل يساوي ( 1860 ) متر ، كما في الأوزان والمقادير ، ص 132.
    وعليه يكون امتداد الكوفة آنذاك ( 54 ) ميل ، ويساوي ( 440/100 ) متر.
    فامتدادها فقط يكون أكثر من ( 100 ) كيلومتر ، ولذلك تجاوز قصورها كربلاء المقدسة

الحديث الصادقي :
    « وتمطر السماء بها جراداً من ذهب »
(1).
    هذا ، مضافاً الى مرغوبية نفس الكوفة في حدّ ذاتها ، كما تلاحظها في احاديث فضلها وعظيم منزلتها
(2).
    وأنه يكون مسجدها اكبر مسجد في العالم ، حتى يُبنى مسجدها الأعظم ويكون له الف باب
(3).
    ولا بأس بالمناسبة بيان ما لهذا المسجد من فضل عظيم وشرف كبير :
    1 ـ ففي حديث أبي عبيدة ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال :
    « مسجد كوفان روضة من رياض الجنّة ، صلّى فيه ألف نبيّ وسبعون نبيّاً وميمنته رحمة ، وميسرته مكرمة.
    فيه عصا موسى ، وشجرة يقطين ، وخاتم سليمان ، ومنه فار التنّور ونجرت السفينة ، وهي صرة بابل
(4) ومجمع الأنبياء » (5).
    2 ـ وفي حديث الأصبغ بن نباتة ، قال : بينا نحن ذات يوم حول أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) في مسجد الكوفة ، إذ قال :
    « يا أهل الكوفة ! لقد حباكم الله عزّوجلّ بما لم يَحْبُ به أحداً. ففضّل مصلاّكم وهو بيت آدم ، وبيت نوح ، وبيت إدريس ، ومصلّى إبراهيم الخليل ، ومصلّى أخي الخضر ( عليهم السلام ) ، ومصلاّي

   وإنّ مسجدكم هذا أحدٌ الأربع المساجد التي اختارها الله عزّوجلّ لأهلها ، وكأنّي به يوم القيامة في ثوبين أبيضين شبيه بالمحرم ، يشفع لأهله ولمن صلّى فيه ، فلا تُردّ شفاعته ، ولا تذهب الأيّام حتّى ينصب الحجر الأسود فيه .
    وليأتينَّ عليه زمان يكون مصلّى المهدي من ولدي ، ومصلّى كلّ مؤمن ، ولا يبقى على الأرض مؤمن إلاّ كان به أو حنّ قلبه إليه.
    فلا تهجرنّ ، وتقرّبوا الى الله عزّوجلّ بالصلاة فيه ، وارغبوا اليه في قضاء حوائجكم. فلو يعلم الناس ما فيه من البركة ، لأتوه من أقطار الأرض ولو حبواً على الثلج »
.
    3 ـ وفي حديث عبدالله بن مسعود ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :
    « يا ابن مسعود ، لما اُسري بي الى السماء الدنيا ، أراني مسجد كوفان ، فقلت : يا جبرئيل ، ما هذا ؟
    قال : مسجد مبارك ، كثير الخير ، عظيم البركة. اختار الله لأهله ، وهو يشفع لهم يوم القيامة »
(3).
    4 ـ وفي حديث محمد بن سنان ، قال : سمعت الرضا ( عليه السلام ) يقول :
    « الصلاة في مسجد الكوفة فرادى أفضل من سبعين صلاة في غير جماعة »
.

  5 ـ وفي حديث المفضل ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال :
    « صلاة في مسجد الكوفة تعدل ألف صلاة في غيره من المساجد »
.
    وأما مسجد السهلة بالكوفة ، فهو أيضاً من المساجد العظمى ، ذات الفضيلة الكبرى :
    1 ـ ففي حديث أبي بصير ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : قال لي :
    « يا أبا محمد ، كأني أرى نزول القائم ( عليه السلام ) في مسجد السهلة بأهله وعياله.
    قلت : يكون منزله جعلت فداك ؟
    قال : نعم ، كان فيه منزل إدريس ، وكان منزل إبراهيم خليل الرحمان ، وما بعث الله نبيّاً إلاّ وقد صلّى فيه ، وفيه مسكن الخضر.
    والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلاّ وقلبه يحنّ إليه ، وفيه صخرة فيها صورة كلّ نبي.
    وما صلّى فيه أحد فدعا الله بنيّة صادقة إلاّ صرفه الله بقضاء حاجته.
    وما من أحد استجاره الاّ أجاره الله مما يخاف.
    قلت : هذا لهو الفضل.
    قال : نزيدك ؟
    قلت : نعم.
    قال : هو من البقاع التي احبّ الله أن تدعى فيها ، وما من يوم ولا ليلة إلاّ والملائكة تزور هذا المسجد ، يعبدون الله فيه. أما إنّي لو كنت بالقرب منكم ما صلّيت صلاة إلاّ فيه.
    يا أبا محمد ، وما لم أصف أكثر.

قلت : جعلت فداك ، لا يزال القائم فيه أبداً ؟
    قال : نعم.
    قلت : فمن بعده ؟
    قال : هكذا من بعده الى انقضاء الخلق
.
    2 ـ وفي حديث العلاء ، قال : قال أبو عبدالله ( عليه السلام ) :
    « تصلّي في المسجد الذي عندكم الذي تسمّونه مسجد السهلة ، ونحن نسميه مسجد الشرى ؟
    قلت : إنّي لأصلي فيه جعلت فداك.
    قال : ائته ، فانّه لم يأته مكروب إلاّ فرّج الله كربته ، أو قال : قضى حاجته ، وفيه زبرجدة فيها صورة كلّ نبيّ وكلّ وصي »
.
    3 ـ وفي حديث الحضرمي ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) أو عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : قلت له : أيُّ بقاع الله أفضل ، بعد حرم الله جلّ وعزّ ، وحرم رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ؟
    فقال : « الكوفة يا أبابكر. هي الزكيّة الطاهرة ؛ فيها قبور النبيّين المرسلين وغير المرسلين والأوصياء الصادقين.
    وفيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبيّاً إلاّ وقد صلّى فيه ، ومنه يظهر عدل الله ، وفيها يكون قائمه والقوّام من بعده ، وهي منازل النبيّين والأوصياء والصالحين

    وفي هذا المسجد المبارك دعا الامام الصادق ( عليه السلام ) لخلاص المرأة الصالحة في

حديث بشار المكاري المعروف
    وفي هذا المسجد حصلت التشرفات الشريفة للأولياء والمؤمنين ، وعباد الله الصالحين.
    فبانتظار ذلك اليوم الزاهر ، والعصر المشرق ، والحياة الذهبيّة ، مع المراقى المعنويّة ، تحت ظل الامام المنتظر الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه ، أمل المؤمنين.

    دولة الامام المهدي ( عليه السلام )

هي هي دولة الله تعالى ، ودولة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والدولة الكريمة ، والدولة الشريفة ، ودولة الحق ، كما جاء تسميتها بها في الأحاديث المباركة.

 وفي حديث آخر :
    « يُنصب له عمودٌ من نور من الأرض الى السماء فيرى فيه اعمال العباد ، وأن له علوماً مذخورة تحت بلاطة في اهرام مصر ، لا يصل إليها أحدٌ قبله »
.
    وفي الحديث الآخر :
    « إن الدنيا تتمثل للامام مثل فلقة الجوز ، فلا يعزب عنه منها شيء ، وانه يتناولها من اطرافها كما يتناول احدكم من فوق مائدته ما يشاء »
.
    وفي الحديث العلوي قال :
    « قد أعطانا ربّنا عزّ وجلّ علمنا للاسم الأعظم الّذي لو شئنا خرقت السماوات والأرض والجنّة والنّار ، ونعرج به إلى السماء ونهبط به الأرض ونغرّب ونشرّق ، وننتهي به إلى العرش فنجلس
عليه بين يدي الله عزّوجلّ ، ويطيعنا كلّ شيء ، حتّى السماوات ، والأرض ، والشمس والقمر ، والنجوم ، والجبال ، والشجر ، والدّوابّ ، والبحار ، والجنّة ، والنار ؛ أعطانا الله ذلك كلّه بالاسم الاعظم الّذي علّمنا وخصّنا به. بأمر ربنّا ، ونحن عباد الله المكرمون الّذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون » (

دولة الامام المهدي ( عليه السلام ) الربانيّة العالميّة أعظم وأعظم من دولة نبي الله سليمان ( عليه السلام ) ، ومن مُلكِ ذي القرنين.
    فدولة النبي سليمان ( عليه السلام ) شملت فلسطين وبلاد الشام ، ولم تشمل مصر وأفريقيا ، ولم تتجاوز الى الهند والصين
.
    بينما دولة الامام المهدي ( عليه السلام ) تشمل جميع مناطق العالم ، بل تنفتح على العوالم الأخرى.
    كما وان مدة دولة النبي سليمان ( عليه السلام ) كانت نحو نصف قرن فقط ، ثم وقع الانحراف بعد وفاته ، وتمزّقت الدولة ، ووقعت المعركة بين مملكتي القدس ونابلس
.
    بينما دولة الامام المهدي ( عليه السلام ) مستمرة الى آخر الدنيا ، ولا دولة بعدها أبدا.
    وكذا ذوالقرنين الذي آتاه الله الملك ، وبلغ مطلع الشمس ومغربها من الأرض ، ولكن لم يتوصل الى السماء.

  بينما الامام المهدي ( عليه السلام ) تُسخّر له السماوات والارضون.
    ففي حديث الامام الباقر ( عليه السلام ) : ـ
    « أما إن ذا القرنين قد خُيّر بين السحابين فاختار الذلول ، وذخر لصاحبكم الصعب.
    قال : قلت : وما الصعب ؟
    قال ( عليه السلام ) : ما كان فيه رعد وصاعقة وبرق ، فصاحبكم يركبه.
    أما إنه سيركب السحاب ، ويرقى في الأسباب ، أسباب السماوات السبع ، والأرضين السبع » 

    فالإمام المهدي ( عليه السلام ) منحه الله تعالى ما فوق ذلك ، وخصّه بأعظم ما هنالك من الاعجازات الالهيّة ، والقدرات الربانيّة التي ما كان ولم يكن لها مثيلٌ ونظير … متعنا الله تعالى بدولته وأقرَّ عيوننا بطلعته. 
   ففي حديث الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « اذا قام قائم آل محمد ( عليه السلام ) ، حكم بين الناس بحكم داود ، لا يحتاج إلى بيّنة ، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه ، ويخبر كلّ قوم ما استنبطوه ، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم

  قال الله عزّوجلّ : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لاَيَات لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيل مُّقِيم ) 
    وفي حديثه الآخر :
    « اذا قام القائم ( عليه السلام ) ، لم يقم بين يديه أحد من خلق الرّحمن إلاّ عرفه ، صالح هو أو 
طالح ، و [ لأنّ ]  فيه آية للمتوسّمين ، وهي السّبيل  المقيم » .
    وفي النهج الشريف :
    « فيريكم كيف عدل السيرة ، ويحي ميّت الكتاب والسنّة »

    وفي الحديث الآخر :
    « لا يذهب الدنيا حتى يخرج رجل منّي ، يحكم بحكومة آل داود ؛ لا يسأل عن بيّنة ، يعطى كل نفس حكمها »
.
    وفي الحديث الآخر :
    « وانما سمي المهدي مهديّاً لأنّه يهدي إلى أمر خفيّ.
    ويستخرج التوراة وسائر كتب الله عزّوجلَّ من غار بأنطاكية.
    ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة ، وبين أهل الانجيل بالانجيل ، وبين أهل الزَّبور بالزَّبور ، وبين أهل القرآن بالقرآن

 وتجمع إليه أموال الدُّنيا من بطن الأرض وظهرها.
    فيقول النّاس : تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام ، وسفكتم فيه الدِّماء الحرام ، وركبتم فيه ما حرَّم الله عزَّوجلَّ.
    فيعطي شيئاً لم يعطه أحدٌ كان قبله ، ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً ، كما ملئت ظلماً وجوراً وشراً
.
    وفي الحديث الآخر :
    « اذا قام القائم ، بعث في أقاليم الأرض ، في كل إقليم رجلاً يقول : عهدك في كفّك ، فاذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه ، فانظر الى كفّك واعمل بما فيها »

حديث الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « العلم سبعة وعشرون حرفاً. فجميع ما جاءت به الرُّسل حرفان ، فلم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين.
    فاذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثّها في الناس ، وضمَّ إليها الحرفين. حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً »
.
    وتعرف من هذا الحديث الشريف أن نسبة العلوم التي ظهرت للناس منذ زمن سيدنا آدم ( عليه السلام ) الى الرسول الخاتم ( صلى الله عليه وآله ) هى نسبة حرفين الى سبعة وعشرين حرفاً ـ بالرغم من كثرتها وفُرتها ، وتكامل البشر بها.
    فما ظنّك بالخمسة والعشرين جزءاً الباقية الى تلك الدولة الزاكية.
    وهذا أرقى مستوى العلم يكون في دولته الكريمة ، وقيادته الحكيمة.
    ولا غرو في ذلك بعد تلك القابلية العقلية والكمال العقلي.
    فيقذف ويُلقى نور العلم في قلوب المؤمنين ، كما تلاحظه في خطبة المخزون لأميرالمؤمنين ( عليه السلام ) التي جاء فيها :

« ويسير الصدِّيق الأكبر براية الهدى ، والسيف ذي الفقار ، واِلمخصرة  حتّى ينزل أرض الهجرة مرَّتين وهي الكوفة.
    فتستبشر الأرض بالعدل ، وتعطي السماء قطرها ، والشجر ثمرها ، والأرض نباتها وتتزيّن لأهلها ، وتأمن الوحوش حتّى ترتعي في طرق الأرض كأنعامهم ، ويُقذف في قلوب المؤمنين العلم فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من علم.
    فيومئذ تأويل هذه الآية : ( يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِن سَعَتِهِ ) 
»

ففي حديث أبي سعيد الخدري ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال :
    « أبشركم بالمهدي يُبْعَثُ فِى اُمَّتِي عَلَى اختِلاف مِنَ النَّاس وزِلْزَال ، فَيَمْلاَُ الأَرْضَ قِسْطاً وعَدلاً كَمَا مَلِئَتْ جَوْراً وظُلْماً. يَرضَى عَنْهُ ساكِنُ السَّمَاءِ

وسَاكِنُ الأَرْضِ. يَقسِمُ الْمَالَ صِحَاحاً.
    فقال له رجلٌ : ما صِحَاحاً ؟
    قال : بالسَّوِيَّةِ بين النَّاسِ ، قال :
    « ويَمْلاُ الله قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّد غنىً ويَسَعُهُمْ عَدْلُهُ ، حَتّى يَأْمُرَ مُنَادِياً ، فَيُنَادِي فَيَقُولُ : مَنْ لَهُ في الْمَالِ حاجَةٌ ؟
    فَمَا يَقُومُ مِنَ النَّاسِ إلاّ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَيَقُولُ : أَنَا.
    فَيُقَالُ لَهُ : إِيتِ السَّادِن ( يَعْنِي الْخَازِنَ ) فَقُل لَهُ : إنَّ الْمَهدِيَ يَأْمُرُكَ أنْ تُعطِيَني مَالاً.
    فَيَقُولُ لَهُ : احْثُ. فَيَحْثِي ، حَتَّى إذَا جَعله في حِجره وأبرزه في حجره ندم ، فيقول : كنتُ أجشع اُمة محمد نفساً ، أوَ عجز عنّي ما وسعهم ، فيردّه فلا يُقبل منه.
    فيقال له : انا لا نأخذ شيئاً أعطيناه.
    وفي حديثه الآخر : ويُطاف بالمال في أهل الحِواء ( أي البيوت المجتمعة من الناس ) ، فلا يوجد أحدٌ يقبله »
(1).
    وهذه الأحاديث الشريفة ترشدنا الى أعظم غناء اقتصادي رشيد في ذلك المجتمع البشري السعيد.
    غناءٌ في كلا الجانبين الدولة والاُمّة.
    ثراءٌ في الدولة بحيث تسع خزانتها لحاجات جميع الامة. وثراء في الامة بحيث لا يحتاج منهم أحدٌ الى أموال الدولة.
    وهذا لم يسبق له مثيل ونظير ، في جميع الازمنة والعصور

 زراعةُ الدَّولة

حديث الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، قال :
    « تُنْعَمُ اُمَّتي فِى زَمَن الْمَهْدِيِّ نِعْمَةً لَمْ يَتَنعَّمُوا مِثْلَهَا قَطُّ ؛ تُرْسَلُ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً ، ولاَ تَدَعُ الأَرْضُ شَيْئاً مِنْ نَبَاتِهَا إلاّ أخْرَجتْهُ »

حديث أميرالمؤمنين ، قال :
    « فيَبْعَثُ المهْدِيُّ ( عليه السلام ) اِلى أُمَرَائِهِ بسائرِ الأمْصارِ بالعَدْلِ بينَ النَّاسِ ، ويذْهَب الشَّرُّ ويبْقَى الخيرُ ، ويزْرِعُ الإنسانُ مُدّاً يخْرُج له سبْعمائة مُدٍّ ،

كما قال اللهُ تعالى : ( كَمَثَلِ حَبَّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِاْئَةُ حَبَّة وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ )
    3 ـ حديث الاربعماءة ، قال أميرالمؤمنين صلوات الله عليه :
    « بنا يفتح الله ، وبنايختم الله ، وبنا يمحو ما يشاء وبنا يثبت ، وبنا يدفع الله الزَّمان الكلِب ، وبنا ينزِّل الغيث ، فلا يغرَّنّكم بالله الغرور.
    ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عزَّوجلَّ ، ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ، ولأخرجت الأرض نباتها ، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد ، واصطلحت السباع والبهائم ، حتّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام ، لا تضع قدميها إلاّ على النّبات ، وعلى رأسها زبّيلها ، لا يهيّجها سبع ولا تخافه ».
    وهذه الروايات الشريفة تعطينا بوضوح بلوغ النماء الزراعي الى أقصى قمته الزاهرة ، في تلك الدولة المظفرة. 

وفي خطبة الامام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) :
    « واقسم بالله لو ان الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لاعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها … » .

حضارةُ الدَّولة

    فتقدّم الحضارة في جميع موافق الحياة في دولة صاحب الأمر ( عليه السلام ) هى المزية الخاصة بها ، دون جميع الأدوار المارّة على الكرة الأرضيّة.
    هذا الى جانب تفتّحهم على جميع مخلوقات الأرض كما في حديث الامام الباقر ( عليه السلام ) : ـ
    « كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين ، ليس شيءٌ الا وهو مطيع لهم ، حتى سباع الأرض ، وسباع الطير ، تطلب رضاهم ، وكل شيء.
    حتى تفخر الأرض على الأرض وتقول : مَرَّبى اليوم رجلٌ من أصحاب القائم »

.
    بل تفتحهم وتوصّلهم الى طرق السماء كما تقدم في حديث الامام الباقر ( عليه السلام ) : ـ
    « … أما إنه سيركب السحاب ، ويرقى في الاسباب ، أسباب السماوات السبع والأرضين السبع »

  حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في وصف الامام المهدي ( عليه السلام ) ، جاء فيه :
    « يا اُبيُّ ! طوبى لمن لقيه ، وطوبى لمن أحبّه ، وطوبى لمن قال به. ينجّيهم من الهلكة.
    وبالاقرار بالله وبرسوله وبجميع الأئمة ، يفتح الله لهم الجنّة.
    مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي يسطع ريحه فلا يتغيّر أبداً.
    ومثلهم في السّماء كمثل القمر المنير الّذي لا يطفأ نوره أبداً » .
    2 ـ حديث الامام السجاد ( عليه السلام ) ، قال :
    « إذا قام قائمنا ، أذهب الله عزّوجلّ عن شيعتنا العاهة ، وجعل قلوبهم كزبر الحديد ، وجعل قوَّة الرَّجل منهم قوَّة أربعين رجلاً ، ويكونون حكّام الأرض وسنامها » .
    3 ـ حديث الامام الباقر ( عليه السلام ) :
    « فاذا وقع أمرنا وجاء مهديّنا ، كان الرَّجل من شيعتنا أجرأ من ليث  وأمضى من سنان ، يطأ عدوَّنا برجليه ويضربه بكفّيه ، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد » .
    4 ـ حديث الامام الصادق ( عليه السلام ) :
    « إنَّ قائمنا إذا قام ، مدَّالله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم ، حتّى [ لا ] يكون بينهم وبين القائم بريد (2) ؛ يكلّمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه » .
    5 ـ حديث الامام الباقر ( عليه السلام ) :
    « … ولا يبقى على وجه الأرض اعمى ، ولا مقعد ، ولا مبتلى ، الا كشف الله عنه بلاؤه بنا أهل البيت.
    ولتنزلن البركة من السماء إلى الأرض ، حتى ان الشجرة لتقصف مما يزيد الله فيه من الثمرة ، ولتؤكل ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء.
    وذلك قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّماءِ وَالاَْرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )  ». 

كتاب « عِند قَدَمَي الإمام المهدي ( عليه السلام ) » ::: مؤلف « العلامة السيد على الصدر »
 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: